تخطَّ إلى المحتوى
كل المقالاتتعافي

هل تشفى النفس كما يشفى الجسد ؟

بقلم فريق تلبينةالخميس، 8 أكتوبر 20262 دقائق قراءة

هل تستطيع النفس أن تستشفي ذاتيًا؟

قيل إن الجسد قادر على الاستشفاء الذاتي، فهل يعني ذلك أن النفس والعقل قادران على ذلك أيضًا؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فلماذا يلجأ الكثيرون إلى العلاج النفسي؟ وهل كل من يتعرض للصدمات والجروح النفسية يحتاج بالضرورة إلى معالج نفسي؟ أم أن جزءًا من هذه الجروح قادر على التعافي مع الوقت؟

ببساطة، نعم، يمتلك عقل الإنسان قدرة على التكيف والتعافي النفسي، كما يمتلك الجسد قدرة على الالتئام. قد نتعرض لجرح جسدي، وبعد أيام نعود لنجد أنه التئم دون تدخل طبي. لكن بعض الجروح تتلوث، أو تكون أعمق من أن تلتئم وحدها، فتحتاج إلى زيارة الطبيب المختص.

والأمر قد يكون مشابهًا في النفس.

ليس كل من يمر بتجربة مؤلمة يحتاج بالضرورة إلى علاج نفسي. فبعض التجارب يستطيع الإنسان تجاوزها واستيعابها مع الوقت، مستفيدًا من قدرته الطبيعية على التكيف، ومن علاقاته ودعمه الاجتماعي وخبراته السابقة.

لكن هناك تجارب أخرى تترك أثرًا أعمق.

يمكن النظر إلى الصدمة، بصورة مبسطة، على أنها أحداث وتجارب لم تتم معالجتها واستيعابها بالشكل الكافي داخل النفس. وقد تبقى بعض آثارها حاضرة، وكأن جزءًا من الإنسان ما زال واقفًا عند تلك المرحلة، رغم أن الزمن الخارجي استمر وتغيرت الحياة من حوله.

وهنا يأتي دور العلاج النفسي.

العلاج لا يعني أن الإنسان عاجز عن مساعدة نفسه، ولا يعني أن كل ألم يحتاج إلى معالج. بل قد يكون العلاج مساحة تساعد الإنسان على فهم ما حدث، وترتيب ما بقي عالقًا، وربط التجربة بمشاعره وأفكاره وطريقة تعامله مع نفسه ومع الآخرين.

ومع عملية العلاج، تبدأ بعض العمليات النفسية والعقلية في أن تجد طريقها من جديد نحو الفهم والاستيعاب.

فالزمن وحده لا يعني دائمًا أن الجرح قد شُفي.

قد يتغير الزمن الخارجي، بينما يبقى الإنسان واقفًا داخليًا عند تجربة لم تُعالج.

ولذلك، ربما لا يكون السؤال دائمًا:

هل أنا بحاجة إلى علاج نفسي؟

بل قد يكون السؤال الأهم:

هل هناك جزء مني ما زال يعيش في مكان انتهى منذ زمن؟

وأجمل ما يمكن أن تقدمه لنفسك ليس أن تجبرها على النسيان، ولا أن تطلب منها أن تتجاوز ما يؤلمها بسرعة، وإنما أن تمنحها فرصة لأن تُفهم وتُحتوى وتتعافى.

فالعلاج النفسي ليس دائمًا لأننا لا نستطيع أن نستمر، بل أحيانًا لأننا نريد أن نستمر بطريقة أكثر وعيًا، وأن نكون حاضرين في حياتنا، لا عالقين في شيء انتهى.


إعداد: أ. غالية الجدعاني
أخصائي نفسي